جمال الدين بن نباتة المصري

296

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

فدفع إليه خالد الدّراهم ، وأمر أن يضرب أسواطا ، وينادى عليه : هذا جزاء من لا يعرف قيمة شعره . ثم قال له : إنّ قيمتهما مائة ألف . وروى أنه دخل على خالد شيخ كبير ، فمثل بين يديه ، فقال : شيخ جذبه إليك سنة أبدت العظام ، فإن رأيت أن تجبره بفضل ، وتنعشه بسجل ! قال خالد : على أن أقارعك « 1 » ، فإن قرعتك لم أعطك شيئا ، وإن قرعتنى أعطيتك ! فقارعه خالد فقرعه ، فقال : أقلني ، فأقاله ، ثم قارعه أخرى فقرعه « 2 » أيضا ، فقال : أقلني ، فأقاله ثانية ، ثم قارعه ، فقرع خالدا ، فقال : أقلني ، فقال « 3 » : لا أقالنى اللّه إذا ، فقال : اعطوه بدرة يدخلها في حر أمّه ، فقال : وأخرى أيّها الأمير أدخلها في استها ! فضحك ، وأمر له ببدرتين . وكان يقول : أيّها الناس ، لو رأيتم البخل لرأيتموه مشوّها تنفر منه القلوب . وقال له بعض أصحابه : واللّه إنا لنسألك أمورا لا حاجة إلينا بها ، فقال : ولم ؟ قال : لعلمنا بمحبّتك فيمن سألك حاجة . وأمّا فصاحته ، فمنها أنه قام على المنبر بواسط ، فحمد اللّه وصلّى على نبيّه ، ثم قال : أيّها الناس ، تنافسوا في المكارم ، وسارعوا إلى المغانم « 4 » ، ومهما يكن لأحدكم « 5 » عند أحد نعمة فلم يبلغ شكرها ، فاللّه أحسن له جزاء ، وأجزل عليه عطاء . واعلموا أنّ حوائج الناس إليكم نعم من اللّه عليكم ، فلا تملّوها فتحول نقما ؛ وأفضل المال ما أكسب أجرا ، وأورث ذكرا ، وأجود

--> ( 1 ) ت : « هل لك أن أقارعك ؟ » . ( 2 ) ت : « ثم قارعه فقرعه خالد » . ( 3 ) ط : « فقال لخالد » . ( 4 ) ت : « المعالم » . ( 5 ) ت : « لأحد » .